تقلبات

منذ تسعة أعوام وانا اتقلب في آرائي على حسب الكتب التي اقراؤها ، لطالما صدمت بسبب الآخرين إذ كنت دائما مقدساً لما أقرأ و اعتبره هو الاصح و الأمثل فدخلت مجالات كثيرة فالكتب الدينية علمتني الصلاة و الصيام و أحكام الطهارة و اصول المنطق و علم الرجال و الدراية و التعصب في إبداء الرأي و عدم السماح لمن يخالفني رأيي بأن يعبر عن رأيه مشكلة عرفت كيف اتجاوزها ببساطة غريبة جدا وهي حينما زرت أحد مراجع النجف و تحاورت معه حول شخصية رجالية من رواة الشيعة اسكتني و قال لي (لا تناقشني) بهذه الكلمة البسيطة والتي هي اشبه بأمر جعلتني أدرك حجم التفاهة التي كنت عليها فكانت هذه الكلمة التي جعلتني افكر بنبذ كل ما يدعو للتعصب و بالأخص التعصب الديني (على الرغم من أن هذا المرجع قبلني من راسي و بدء بالمسح عليه و قال لي ستصبح عالما كبيرا ذات يوم) المهم اني توجهت نحو عالم جديد اسمه الأدب هناك حيث بدأت بالتركيز على الجانب الإنساني و الفني و الجمالي الذي حرمت نفسي منه طوال الأعوام السابقة و كم كان متعبا ان تعرف مقدار البؤس الإنساني حين تقرأ بؤساء فيكتور هيجو و المشاعر الصادقة التي يسردها دوستويفسكي بطريقته الحزينة و الحقيقة التي يكتبها نيتشه بجنون و السخرية التي يكتبها كونديرا بايروتيكيته المعهودة وغيرهم من الكتاب الذين يصنعون لك تلقائيا مبادئ سامية تجعلك مستعدا للدفاع عنها و تحارب الطغاة من أجل تحقيقها حتى وان حاول الآخرون تحجيمك بتهمة الإلحاد .
لستُ ملحدا وهذا ليس باعتراف خطير يمكن أن تصفقوا لي عليه انا فقط انسان لامنتمي و لا ادري بما يهم الآخرين ايماني أو كفري فلا هم يملكون مفاتيح النار أو الجنة ليدخلوني فيها ، ولكن من خلال معاشرتي مع من يدعون الدين اكتشفت ان الإله الذين يعبدوه ليس ذاته الذي عرفته كخالق لي فآلههم يحلل لهم ما يحرمه على غيرهم هذا الأمر هو الذي جعلني ارفض ان يكون إلهي الهاً مطاطيا قابل للمط و الانعواج و الانكسار و التقلب بقوالب الفضيلة و الشرف و العهر و الخداع و الخيانة و القتل و غيرها من الأمور الحسنة أو السيئة .
ربما تكون قضية الإله قضية كبرى تزعج الآخرين ولطالما رفضت أن أتحدث بها مع فلول المتدينين الذين يرون أن الذي خلقهم سيدخلهم الجنة لأنهم يصلون و يتغافل عن قتلهم الآخرين بحجة الاجتهاد الخاطئ و يدخل البقية في جهنم لأنهم لم يصلوا أو يصوموا رمضان
على العموم قبل عام بدأت القراءة بعيدا عن عالم الأدب هناك حيث توجهت نحو كتب الانثروبلوجيا و الكتب العلمية و كتب تشرح نظرية التطور لدارون بالإضافة إلى قراءتي لبعض كتب المسرح لشكسبير و بريخت اعلم انه مزيج غير متجانس من القراءات و اعتقد ان كان هناك متديناً يقرأ ما كتبته الآن لوصفني بالجنون لأني أقرأ كتب حرمها عليه عقله المحدود من اكتشافها ، المهم أنني بدأت اتطور كقرد دارون في القراءات و لكن الانتكاسة الأكبر كانت حينما اكتشفت اني بالفعل تحولت إلى ذات النظرية الدارونية ولكن بصورتها السيئة حيث اكتشفت ان الانسان كلما زادت معرفته من خلال القراءة فإن صدمته بالآخرين ستكون أكبر على أرض الواقع حيث مازلنا قابعين في طور البيئة الحيوانية التي لم نتخلص منها بعد حيث مازال هناك من يستغل الثقافة و الأدب من أجل ان يقضي سهرة مع فتاة حسناء أو يختلس أموال بحجة تطوير الواقع الثقافي و حتى البعض منهم يستغل منصبه من أجل ربع ويسكي لايتجاوز سعره الدولارين !
لا تتعجب يا عزيزي لأننا مازلنا نراوح في قاع الحضيض بينما باقي الشعوب تطير مرتفعة نحو النجوم فالأمر ببساطة من صنعنا نحن ولم تتدخل أمريكا أو إسرائيل و غيرها من قوى الاستعمار في الاطاحة بقوانا الإنسانية فنحن من اخترنا ان نكون عبيد للجاه و التعالي و الغرور على الأشياء التافهة و اخترنا ان يحكمنا مجموعة من الجهلة و اللصوص السراق بحجة (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) وتركنا الكفاءات تهاجر كهجرة (الرضا ابو محمد) والان من بعد ما اشتعل الرأس شيبا منهم خرجنا للننتفض ولكن خرج معنا قطاع الطرق بحجة الديموقراطية !
اتتخيل مقدار بؤسنا نحن الجانحين إلى السلام
كمال الدين الزبيدي
٢٩/١٠/٢٠٢٠

تعليقات

المشاركات الشائعة